ابن عجيبة
587
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : وبهذا يرد على من وقف على ( همت به ) ، كالهبطى ومن تبعه ، إلا أن يحمل على أنه ابتداء كلام مع حذف الجواب . واستحسنه البعض ؛ ليكون همّ يوسف خارجا عن القسم ، ( وكذلك ) : في موضع المصدر ، أي : ثبتناه مثل ذلك التثبيت لنصرف . . إلخ ، و ( المخلصين ) بالفتح : اسم مفعول من : أخلصه اللّه . وبالكسر : اسم فاعل بمعنى : أخلص دينه للّه . يقول الحق جل جلاله : وَراوَدَتْهُ للفاحشة ، أي : تمحلت وطلبت منه أن يوافقها الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ؛ وهي زليخا . وترك التصريح بها ؛ استهجانا . فراودته عن نفسه ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ، قيل : كانوا سبعة . والتشديد للتكثير ، أو للمبالغة في الإيثاق ، وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ أي : أقبل وبادر ، أو تهيأت لك . روى أنها تزينت بأحسن ما عندها ، وقالت : تعال يا يوسف ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ ؛ أي : أعوذ باللّه معاذا ، إِنَّهُ أي : الشأن ، رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ؛ سيدي أحسن إقامتي وتربيتى ، إذ قال لك أكرمي مثواي ، فما جزاؤه أن أخونه في أهله ، أو أنه تعالى ربى أحسن منزلي ؛ بأن عطف علىّ قلب سيدي ، ولطف بي في أموري ، فلا أعصيه ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ؛ المجاوزون الإحسان إلى الإساءة ، أو الزناة ؛ فإن الزنى ظلم على الزاني والمزنىّ بأهله . وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ، قال ابن جزى : أكثر الناس الكلام في هذه الآية ، حتى ألفوا فيها التآليف ، فمنهم مفرط ومفرّط ؛ وذلك أن منهم من جعل همّ المرأة وهمّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته . وذكروا من ذلك روايات من جلوسه بين رجليها ، وحله للتكّة ، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يقال به ؛ لضعف نقله ولنزاهة الأنبياء عن مثله ، ومنهم من قال : همت به لتضربه على امتناعه ، وهمّ بها ليقتلها أو يضربها ؛ ليدفعها . وهذا بعيد يرده قوله : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ . ثم قال : والصواب - إن شاء اللّه - : أنها همت به من حيث مرادها ، وهمّ بها كذلك ، لكنه لم يعزم على ذلك ، ولم يبلغ إلى حد ما ذكر من حل التكّة ، بل كان همه خطرة خطرت على قلبه ، ولم يتابعها ، ولكنه بادر إلى التوبة والإقلاع عن تلك الخطرة ، حتى محاها من قلبه ، لمّا رأى برهان ربه . ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء ؛ لأن الهم بالذنب ليس بذنب ، ولا نقص في ذلك ؛ لأن من همّ بذنب ثم تركه كتب له حسنة . ه . قلت : وكلامه حسن ؛ لأن الخطرات لا طاقة للبشر على تركها ، وبمجاهدة مخالفتها فضّل البشر على جنس الملائكة ، وقال البيضاوي : والمراد بهمه : ميل الطبع ، ومنازعة الشهوة ، لا القصد الاختياري ، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف ، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل ، لمن يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفته ، كقوله : قتلته لو لم أخف اللّه . ه . ومثله في تفسير الفخر ، وأنه مال إليها بمقتضى الطبع ، ومنع منه بصارف العصمة ، كالصائم يشتاق الماء البارد ، ويمنعه منه صومه . ومثله أيضا في لطائف المنن : همت به همّ إرادة ، وهمّ